المقريزي
252
المقفى الكبير
باستئناف « 1 » جواب الكلام المتقدّم . قال : صدقت . وركب إلى دار أمير المؤمنين ، فعرّفه بقدومي ، وطالبه بدفع ما تخاطرا عليه ، وتبايعا فيه . فأمر بإحضاري فحضرت ، فلمّا وقعت عين المتوكّل عليّ قال : يا بصريّ ، كيف تقرأ هذه الآية : وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ بالكسر ، أو أَنَّها إِذا جاءَتْ بالفتح ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، أكثر الناس يقرأها بالفتح . فضحك وضرب برجله اليسرى ، وقال : أحضر يا فتح المال ! فقال : إنّه واللّه يا سيّدي قال لي خلاف ما قال لك . فقال : دعني من هذا ، أحضر المال ! وأخرجت فلم أصل إلى الموضع الذي كنت أنزلته ، حتى أتتني رسل الفتح ، فأتيته فقال لي : يا بصريّ ، أوّل ما ابتدأنا به الكذب ! فقلت : ما كذبت ، فقال : كيف وقد قلت لأمير المؤمنين إنّ الصواب : وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ بالفتح ؟ فقلت : أيّها الوزير ، لم أقل هكذا وإنّما قلت : أكثر الناس يقرؤها بالفتح ، وأكثرهم على الخطأ ، وإنّما تخلّصت من اللائمة ، وهو أمير المؤمنين . فقال لي : أحسنت . قال أبو العبّاس : فما رأيت أكرم كرما ، ولا أرطب بالخير لسانا من الفتح . وقال أبو العبّاس : أحضرت مجلس المتوكّل يوما ، وقد عمل فيه النبيذ ، وبين يديه أبو عبادة الوليد بن عبيد البحتري ، وهو ينشد [ 224 أ ] قصيدة يمدح فيها المتوكّل ، وبالقرب من البحتريّ أبو العنبس الصّيمريّ ، فأنشد البحتريّ قصيدته التي أوّلها [ الكامل ] : عن أيّ ثغر تبتسم * وبأي طرف تحتكم حسن يضنّ بحسنه * والحسن أشبه بالكرم حتى بلغ إلى قوله : قل للخليفة جعفر ال * متوكّل بن المعتصم المرتضى ابن المجتبى * والمنعم ابن المنتقم أمّا الرّعيّة فهي من * أمنات عدلك في حرم نعم عليها في بقائ * ك فلتتمّ لها النّعم يا باني المجد الذي * قد كان قوّض فانهدم اسلم لدين محمّد * فإذا سلمت له سلم نلنا الهدى بعد العمى * بك والغنى بعد العدم « 2 » فلمّا انتهى رجع القهقري للانصراف ، فوثب أبو العنبس الصّيمريّ فقال : يا سيّدي يا أمير المؤمنين ، تأمر بردّه ؟ فردّه ، فقال أبو العنبس : قد عارضتك في قصيدتك ! - وكنت بحضرة أمير المؤمنين - ثم اندفع ينشده شيئا ، لولا أنّها جواب وبها تجب
--> ( 1 ) في إنباه الرواة : « باستيفاء » . ( 2 ) ديوان البحتريّ 3 / 1992 ( 766 ) وقد نقل ناشره حسن كامل الصيرفي روايات مختلفة للقصّة التي تليها ، والتي جعلت البحتريّ المغبون يقول : ضاع العلم وهلك الأدب !